ابن عربي
357
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
واتصلت الآية التي بعدها بالآيات التي قبلها لظهر التناسب لكل ذي عينين ، ففي ظاهر الأمر أن هذا ليس موضعها ، وما في الظاهر وجه مناسب للجمع بينها وبين ما ذكرناه ، وقد جعل اللّه ذلك موضعها لعلمه بما ينبغي في الأشياء ، فإن الحكيم من يعمل ما ينبغي لما ينبغي كما ينبغي ، وإن جهلنا نحن صورة ما ينبغي في ذلك فالمناسبة ثمّ ولكن في غاية الخفاء ، فإن أمعنت النظر وجدت أن هناك مناسبة بين الصلاة والنكاح ، فإن الصلاة تقع بين طرفي إحرام وتحليل ، وكذلك النكاح يقع بين طرفي تحليل وتحريم ، فكانت المناسبة بين الصلاة والنكاح كونهما بين طرفي تحريم وتحليل ، متقدم أو متأخر ، فكانت المناسبة بين هذه الآيات
--> عن الدخول بها وإن لم يقربها ، فالشرع يحكم بالصداق ، ولا يدينوه في ذلك لو أنكر المسيس ، فهذا شيء لا يعلمه إلا الزوج والزوجة ، ولا شك أن المسيس إنما يكنى به عن الجماع ، ولذلك قال اللّه : « وَأَنْ تَعْفُوا » عن أخذ نصف الصداق « أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » لأنه ما نال منها ما فرض الصداق من أجله ، فكأنه مال لا عن معاوضة ، وإن عفت المرأة عن ذلك ، فإن الرجل يتعين عليه أن يمتعها ويلحقها بمن لم يفرض لها صداق ، وإن كان لا يجب ذلك عليه ، ولكنه خير مندوب إليه ، إذ كانت الهبة على الإطلاق مشروعة ، فكيف إذا اقترن بذلك شبهة حق بدخوله بها وإن لم يمسها ، وتورعت المرأة في إسقاط ذلك الحق عنه ، وليس للذي بيده عقدة النكاح بعد الدخول بها أن يعفو عن ذلك إلا حتى يتيقن من ذلك ما تيقنت المرأة ، وهو عدم المنفعة والتلذذ بها من كل وجه ، من عناق وتقبيل وما في ضمن من ذلك ، فقال : « وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ » أي تدخلوا بهن « وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً » صداقا معينا « فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ » يجب عليكم إعطاؤه لها ، فإنه مثل المتعة في الوجوب ، غير أن المتعة على قدر حال الزوج من الجدة ، وفي هذا الموضع لما ألزم نفسه بتعيين الصداق ، ألزمه الحق مما ألزم نفسه نصف ذلك ، لكونه حجر عليها التصرف في نفسها ، وفرض لها النصف ولكونه ما نال منها شيئا أسقط عنه النصف ، فكان المهر لمنفعته بها وحجره عليها ، فلما سقط أحد الأمرين قسم الصداق على ذلك ، ولما كان المعتبر والركن الأعظم من النكاح الجماع ولم يقع ، رجح اللّه العفو عن أخذ ما عينه من نصف الصداق لها على أخذه ، من عفا الشيء إذا ذهب رسمه ، فهذا معنى قوله : « وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » وقوله : « وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ » يؤيد ما ذهبنا إليه أن يهبها الزوج شيئا إذا هي عفت عن أخذ النصف الذي أعطاها اللّه ، فيكافئها الزوج على ذلك بشيء سماه اللّه ( الْفَضْلَ ) فقال : ولا تتركوا « الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ » أي كما تفضلت عليك بترك نصف الصداق الذي كان لها